محمد عبد الله دراز

290

دستور الأخلاق في القرآن

الصّيد في إحدى البحيرات ، وتعتقد أنّك قد صوبت سلاحك نحو صيد ، على حين أنّك فعلا أطلقت النّار على إنسان ، وتريد أن تصطاد سمكة ، فيكون ما أخرجته طفلا غريقا يفجؤك . فمع أنّ التّماثل حادث في هذه الأعمال من « النّاحية المادية » ، مع الأعمال الّتي تشكل موضوع القانون ، نجد أنّها غير متماثلة من « النّاحية الكيفية » ، فقد أردت عملا مباحا ، أو محايدا ، على حين أنّ القانون قد رسم عملا ملزما ، أو محرما . لقد كان موضوع تنظيم القانون هو حياة الكائن الإنساني ، ولكنك لم تقصد إلى إنقاذ حياة كائن إنساني ، أو إنهائها ، فليس ما أزمعت تحقيقه هو العمل المستحق للثواب ، أو العقاب . وإذن فإنّ الاستحسان الأخلاقي ، أو الاستهجان كلاهما حكم يقوم على الصّفة المحددة الّتي تصورتها القاعدة . فأي انحراف برئ للإرادة يرى الأشياء بصورة مختلفة - لا يقع مطلقا تحت طائلة القانون . وعندما يقول القرآن : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ * « 1 » - نتساءل : ما ذا يقصد بهذه الأيمان ؟ . . أمّا المفسرون فقد جاءوا في هذا الصّدد بتعريفين مختلفين تماما ، يقول ابن عباس ، في جمهرة من المفسرين : ( هو ما يجري على اللسان في درج الكلام والاستعمال ، لا واللّه ، وبلى واللّه ، من غير قصد لليمين ) « 2 » ، ولكن مالكا يرى أنّ

--> ( 1 ) البقرة : 225 ، والمائدة : 89 . ( 2 ) انظر ، تفسير القرطبي : 6 / 266 ، تفسير ابن كثير : 1 / 267 و : 3 / 216 ، سنن البيهقي الكبرى : 10 / 49 ، الفردوس بمأثور الخطاب : 5 / 291 ح 8218 ، التّمهيد لابن عبد البر : 21 / 248 ، شرح الزّرقاني : 3 / 83 ح 25 ، خلاصة البدر المنير : 2 / 41 ح 2781 ، سبل السّلام : 4 / 108 ، الأمّ : 7 / 63 .